السيد نعمة الله الجزائري

163

الأنوار النعمانية

وقد ورد بعض المحققين شبهة في هذا المقام وهي انّه تعالى قال في كتابه العزيز وان ليس للإنسان الّا ما سعى ، فانّ ظاهره ان سعى أحد في فعل من أفعال الخير لا يصل ثوابه إلى غيره ، وقد أجيب عنه بوجوه : الأول ان سعى الغير لا ينفعه إذا أوقعه عن نفسه فامّا إذا نواه به فهو بحكم الشرع كالنّائب عنه والوكيل القائم مقامه كالوكيل في اخراج الزكاة والخمس مثلا . الثاني انّ وصول ثواب تلك الأعمال اليه لا ريب انّه نتيجة سعيه في تحصيل الأيمان وأصول العقائد وفي اتخاذ الأصدقاء والأخوان ومعاشرتهم وإهذاء المعروف إليهم فما أهدوا اليه بعد موته فهو ممّا حصل بسعيه في الحقيقة . الثالث انّ مضمون الآية مخصوص بامّة موسى وإبراهيم كما يساعد عليه السياق لأنّ الآية هكذا : أم لم ينبأ بما في صحف موسى وهارون الذي وفّى ألّا تزر وازرة وزر أخرى وان ليس للإنسان الا ما سعى ، وامّا هذه الأمة فلا بعد في أن يصل إليهم ما سعى فيه غيرهم أيضا تفضّلا من اللّه عليهم ، وأقوى هذه الوجوه أوسطها كما انّ أضعفها أخيرها وفي الصحيح عن عمر بن يزيد قال : كان أبو عبد اللّه عليه السّلام يصلّي عن ولده في كلّ ليلة ركعتين وعن والديه في كل يوم ركعتين قلت له جعلت فداك وكيف صار للولد الليل قال لأنّ الفراش للولد ، قال وكان يقرأ فيهما انا أنزلناه في ليلة القدر وانّا أعطيناك الكوثر . ومنها ما روي عن النبي صلّى اللّه عليه وآله قال : المؤمن إذا مات يصعد ملكاه إلى السماء فيقولان عبدك فلان قد مات فأذن لنا حتى نعبدك على السماء فيقول اللّه تعالى انّ سماواتي مملوة بملائكتي ولكن اذهبا إلى قبره واكتبا له إلى يوم القيامة . ومنها شهادة المؤمنين له بالخير والصلاح ، فانّه قد ورد في الخبر انّ اللّه تعالى يجيز شهادتهم ويكتبه عنده من الأخيار وان كان في علم اللّه تعالى انّه من الأشرار ، وقال الصادق عليه السّلام إذا حضر الميّت أربعون رجلا فقالوا : اللهم انّا لا نعلم منه الّا خيرا ، قال اللّه عزّ وجلّ قد قبلت شهادتكم وغفرت له ما علمت ممّا لا تعلمون . وروى شيخنا الكليني قدس اللّه روحه باسناده إلى الأمام أبي عبد اللّه جعفر بن محمّد الصادق عليه السّلام قال : كان في بني إسرائيل عابد ، فأوحى اللّه تعالى إلى داود عليه السّلام انّه مراء ، قال : ثمّ انّه مات فلم يشهد جنازته داود عليه السّلام فقام أربعون من بني إسرائيل فقالوا : اللهم انّا لا نعلم منه الا خيرا وأنت اعلم به منا فاغفر له قال : فلمّا غسل أتى اليه أربعون غير الأربعين وقالوا : اللهم انّا لا نعلم منه الّا خيرا وأنت اعلم به منا فاغفر له ، قال : فأوحى اللّه تعالى إلى داود عليه السّلام ما منعك ان